ابو البركات
360
الكتاب المعتبر في الحكمة
الحسية والعقلية فإن كان المدرك فيها كلها نفس الانسان الواحد كما قلنا فهي تدرك ذاتها وانها أدركت في كل ما يدرك ومع كل ادراك فتبصر وتسمع وتشعر بذاتها وابصارها وسمعها وانها أبصرت وسمعت فان الانسان يشعر من ذاته بذاته في سائر افعاله الإرادية وادراكاته وان كانت المدركات الحسية قوى اخر غير ذات النفس فهي غير ذات الانسان الذي يعرض حال نفسه على نفسه فيعلم حاله ولا يعلم حالها في ذلك وهل تدرك ذواتها أم لا لأنها غير ذاته وهو يشعر بحال ذاته من ذاته ولا يلزم ان يشعر بحال غيره من ذاته . فاما حديث الآلة فما لا يدرك إلا بآلة معينة لا يدرك بسواها لا يدرك الآلة فان الانسان إذا كان لا يبصر الا بعينه وان كان هو الباصر فلا عين له يبصر بها عينه وكذلك لا يبصر ذاته بعينه لأن العين لا تتوسط بينه وبين ذاته وكيف ونفسه غير مرئية بالعين ولا بشيء من الحواس لأنها ليست من جنس ما يدرك بالحواس فلا هي لون تراه العين ولا صوت تسمعه الأذن ولا حرارة يحسها اللمس ونسبتها إلى الحواس كنسبة الصوت إلى العين واللون إلى الأذن والألوان هي التي يدركها البصر أولا وبالذات ويدرك من اجلها ذوات الألوان فما ليس بلون ولا ذي لون لا يدركه البصر بالذات ولا بالعرض فمن طلب ان يرى نفسه بعينه فما عرف نفسه ولا عينه . واما القائلة بان النفس العاقلة لو كانت قوة جسمانية لحلت معقولاتها الجسم الذي هو محلها فامتنع عليها ادراك المتقابلات والاضداد معا . فلا بأس بها فان الأجسام وما يحلها من الاضداد والمتقابلات لا يجتمع في الموضوع الواحد منها الضدان معا والنفس تجمع صورتيهما فتحكم فيهما وعليهما وتقيس إحداهما إلى الأخرى فما حلت عندها في اجتماعها معا جسما . فان اعترض فيها معترض فقال ان الخاصية في ذلك انما هي في الصور الحالة لا في المحل فان هذه الصور غير تلك بالنوع والماهية بل هي غيرها وتلك موجودة طبيعية في موضوعها وعلى طباعها وهذه موجودة في محلها لا على